مقالات

أكذوبة “الجهاد” العثماني دفاعًا عن الأندلس

من أشهر أكاذيب العثمانيين الجدد أن “الدولة العثمانية جاهدت دفاعًا عن الأندلس”، وهي كذبة من فرط جرأتها من ناحية ومداعبتها “نوستالجيا الجهاد” عند الإسلاميين من ناحية أخرى، قلما تجد من يجرؤ على مواجهتها والرد عليها!

ولكن التاريخ لا يجامل، ووقائعه المتفق عليها لا تحب من يعبث بها، فلننظر إذاً في تفاصيل القصة لندرك حقيقة الزعم العثماني وأبعاد الأكذوبة..

الأيام الأخيرة لغرناطة الإسلامية

غرناطة كانت هي المعقل العربي الإسلامي الأخير في الأندلس يحكمها آل نصر المشهورون بـ”بني الأحمر”، في العام 1487م اشتد الحصار عليها من الملكين الإسبانيين فرناندو وإيزابيللا وقد عزما على وضع نهاية لهذا الصراع العربي-الإسباني الطويل..

تلفت ملك غرناطة حوله ملتمسًا النجدة فوجد أن القوتين اللتين تستطيعان مد يد الغوث له هما دولة المماليك في مصر والشام ودولة العثمانيين في الأناضول وشرقيّ أوروبا..

آنذاك كان العملاقان المملوكي والعثماني في صدام حربي بسبب النشاط العدواني للعثمانيين وسلطانهم بايزيد الثاني ضد الحدود المملوكية في شمال الشام، فضلًا عن نقمة بايزيد على السلطان المملوكي قايتباي لإيوائه الأمير جِم العثماني-أخو بايزيد-بعد تمرده على سلطنة أخيه..

في العام المذكور وصلت إلى القاهرة سفارة غرناطية تستنغيث بالسلطان قايتباي ليرسل حملة عسكرية لإنقاذ غرناطة..

عمليًا لم يكن في إمكان المماليك القيام بمثل هذا العمل، أولًا لبعد المنطقة المذكورة عن قواعدهم للدعم والإمداد بريًا أو بحريًا، وثانيًا لأن الطريق البحري-وهو الأقرب من ذلك البري-للأندلس يقع في العمق البحري الأوروبي الذي تسيطر عليه قوى بعضها معادٍ وبعضها الآخر متقلب السياسات غير مأمون الجانب..

هذا فضلًا عن وجود جبهة قتال ضارٍ مفتوحة مع العثمانيين في الشرق

لكن قايتباي أبى ألا يمد يد العون لمسلمي الأندلس، فأعمل الفكر حتى وجد وسيلة للضغط السياسي..

ففي فلسطين كان يقوم كل من كنيسة القيامة ودير صهيون، اللذين يتولى إدارتهما الرهبان الفرنسيسكان، فأرسل قايتباي لقسيسي كنيسة القيامة يأمرهم بمراسلة فرديناند الثاني ملك نابولي لمطالبته بالتدخل لإلزام فرناندو وإيزابيللا برفع الحصار عن غرناطة.. واستغل كون مقدم دير صهيون إسبانيًا وبعثه إلى نابولي لمقابلة ملكها المذكور محملًا برسالة بذات المطلب..

قايتباي اختار نابولي بالذات لكونها ترتبط بمصالح سياسية-وأخرى تجارية-مع المماليك، فآنذاك كانت قبرص تحت الحكم المملوكي يتولاها ملوك من آل لويزينيان خاضعين لسلطان القاهرة، وكان ملكها قد مات فتنازعت البندقية مع نابولي على إدارتها-مع بقاء الوصاية المملوكية-فكان بعث قايتباي له بمثابة عقد صفقة ضمنية: ساعد على رفع الحصار عن غرناطة وسننظر في أمر مطالبتك بإدارة قبرص!

كذلك أرسل قايتباي للبابا الكاثوليكي أنوسنت الثامن يطالبه بإقناع الإسبان برفع الحصار وينذره أنه إن لم يفعل فسيغلق المماليك الأماكن المسيحية الكاثوليكية في دولتهم ومنها كنيسة القيامة وأنه سيوقع العقاب بالفرانسيسكان في السلطنة!

سارع كل من ملك نابولي وبابا روما لمخاطبة فرناندو وإيزابيللا برفع الحصار، بل سافرا إليهما في محاولة مستميتة لذلك، ولكن الملكين المتعصبين كاثوليكيًا أصما آذانهما عن تلك التوسلات، فضلًا عن انهيار المقاومة الغرناطية وتسليم البيت الحاكم بالأمر الواقع وإعلانه الاستسلام للخصوم!

إضافة لتلك الجهود المملوكية، استغل قايتباي انتهاء الحرب مع بايزيد الثاني-بوساطة تونسية-وتبادل العاهلان الرسائل لتدارُس فكرة القيام بعمل عسكري مملوكي-عثماني مشترك لإنقاذ الأندلس، ولكن عرقلت ذلك الظروف الداخلية للدولتين سواء بوفاة قايتباي ونشوب فوضى حكم من بعده، أو بالصراع الداخلي على العرش العثماني في نهايات عهد بايزيد، والتفات خلفه سليم الأول لتوجيه قوته الضاربة ضد جيرانه المماليك!

حقيقة عروج باشا وخير الدين بارباروسا

يحتج “العثمانيون الجدد” بشخصيتان من التاريخ الإسلامي في البحر المتوسط هما “عروج باشا” وأخوه “خير الدين بارباروسا”، باعتبار أن أعمالهما تمثل دليلًا على أن العثمانيين كانوا مجاهدين في سبيل الله يدافعون عن مسلمي الإندلس…

الواقع أن شيوع هذا الزعم هو نتيجة لجهل الكثيرين بالفرق بين “تركي” كهوية عرقية و”عثماني” كهوية انتماء للدولة، وافتراض أن كل تركي هو بالضرورة من العثمانيين، فضلًا عن أن العثمانيين قد أجادوا لعبة الدعاية واللعب على العاطفة الدينية فاستغلوا أعمال الأخوين عروج وخير الدين لصالح دعايتهم بأنهم-العثمانيين-هم “درع الإسلام وسيفه”!

فعروج وخير الدين لم يكونا عثمانيين، بل كانا من مواليد اليونان وقد استهوتهما حياة البحر والمغامرة، فكوّن عروج سنة 1510 م أسطولًا صغيرًا من عشر سفن وطاقمًا ضم تركًا-من العثمانيين وغيرهم-وعربًا وعناصر من البربر بل من الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام، وراح يمارس القرصنة ضد السفن الأوروبية في شرق المتوسط وأرخبيلات اليونان..

جدير بالذكر أن في ذلك الزمن كانت القرصنة أحيانًا ما تُمارَس لأغراض “وطنية” بمعنى أن القرصان يتخصص في مهاجمة سفن أعداء بلاده-وهو أمر كان مألوفًا سواء بين القوى الإسلامية وتلك الأوروبية أو حتى في حروب الأوروبيين ضد بعضهم بعضًا (كحروب إسبانيا وإنجلترا مثلًا)

ولكن سيطرة العثمانيين على تلك المنطقة من البحر المتوسط-عوضًا عن كل من البندقية وجنوة-دفعت عروج لنقل نشاطه غربًا، من ناحية لعدم الاصطدام بالعثمانيين، ومن ناحية أخرى لتتبع السفن الأوروبية غربًا واصطيادها.. بل أقام له إمارة مستقلة في جزيرة “ِجربة” في تونس، ولكي يضفي شرعية على أعماله دخل في خدمة باي/حاكم تونس وأبدى ضروبًا من الشجاعة والحنكة في تصديه للعدوان الأوروبي على شماليّ إفريقيا.. حتى استغاث به الجزائريون لإنقاذ ميناء “بجاية” من أيدي الإسبان فحرره منهم وجعله مركزًا لعملياته، ثم نقل هذا المركز لمدينة جيجل الجزائرية.. كل هذا بجهوده الذاتية وباسمه وليس باسم العثمانيين الذين كانوا آنذاك زاهدين في ممارسة النشاط البحري غرب المتوسط..

وراح عروج يحارب على جبهتين: فكان من ناحية يستغل فوضى الإمارات والمدن في شماليّ إفريقيا والمغرب الأوسط لإسقاط حكوماتها وفرض سيطرته عليها، ومن ناحية أخرى استمر في تحرير الثغور الإفريقية الشمالية من الحاميات الأوروبية المحتلة .

ولكن عروج لقى نهايته قرب مدينة تلمسان، حيث حوصر من القوات الإسبانية وتعرض للخيانة من الداخل، فحاول الفرار لمدينة الجزائر حيث تتبعه الإسبان ليستشهد في الطريق.. ولتنتقل القيادة لأخيه “خير الدين”..

تلفت خير الدين حوله فوجد أنه قد أضحى قائدًا على قوة ضعفت كثيرًا عن ذي قبل، وسط جو من المؤامرات والخيانات، وتهديدات إسبانية مستمرة، فضلًا عن أن شعبيته كانت أقل من تلك التي حظى بها أخوه، ولكن يبدو أنه كان أكثر (براجماتية) وعملية من الأخ الراحل، وهنا بدأ دور الدولة العثمانية في القصة..

فقد قرر خير الدين الانضواء تحت راية العثمانيين باعتبارهم “السادة الجدد”، فراسل سليم الأول سنة 1519م وضمّن رسالته توسلات لربط قضية الجزائر بالعثمانيين، والتماسات من القضاة والفقهاء والأعيان ومختلف الفئات للسلطان بأن يضع الجزائر تحت تصرفه بلغت حد أن وصفوا أنفسهم أنهم “عبيد للدولة العثمانية” (وهي رسالة كتبوها بأمر من خير الدين وليس من تلقاء أنفسهم) وختم رسالته بأنه كان ليتوجه بنفسه إلى اسطنبول ليمثل بين يديّ السلطان لولا توسُل الجزائريين له-خير الدين-أن يبقى بينهم ليحمي بلادهم..

لم يتردد سليم الأول في تلقف الفرصة، فمن حيث لا يدري وجد قطاعًا كبيرًا من موانئ غرب المتوسط يفتح له ذراعيه بغير تكلفة، فأرسل لخير الدين تقليدًا على حكم الجزائر وفرمانًا بتلقيبه “بكلربك”-وهو أرفع لقب لوالي عثماني-وبعث له بألفيّ جندي إنكشاري يساعدونه..

كانت صفقة رابحة للطرفين إذاً، فخير الدين لم يعد قرصانًا أو محاربًا جوالًا بل صار واليًا وقائدًا عثمانيًا، والعثمانيون ربحوا أرضًا بثمن لا يُذكَر.. بل وزادوا فعيّنوا خير الدين قائدًا لأسطولهم لاستغلال مواهبه ومهاراته رغم أن الأهالي طالبوا العثمانيين بتركه مرابطًا في شمالي إفريقيا لشدة احتياج الجبهة لوجوده وقيادته.. ولكن العثماني-كالعادة-قدّم مصلحته على مصلحة الولاية..

حقيقة دعوى “نصرة الأندلس”

بإضفاء السيادة العثمانية-ولو اسميًا-على الجزائر صار غرب المتوسط مسرحًا للقتال بين العثمانيين من ناحية والدولة الإسبانية على رأسها آل هابسبورج من ناحية أخرى..

وهنا يجب أن تكون لنا وقفة.. فالعثمانيون الجدد يدعون أن الدولة العثمانية قد حاربت إسبانيا عقابًا لها على تنكيلها بالمسلمين واضطهادها لهم، ولكن الواقع التاريخي يكشف كذب هذا الادعاء..

فإسبانيا آنذاك كانت تحت حكم أسرة هابسبورج وعاهلها العتيد شارل الخامس (المعروف فشارلكان)، ولأسباب تتعلق بالمصاهرات والوراثة في أوروبا فقد وجد شارل الخامس نفسه ملكًا على إسبانيا وألمانيا وأجزاء من إيطاليا فضلًا عن أوروبا الشرقية.. وبالفعل فقد تلقب ب”إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة”..

وأوروبا الشرقية هي مربط الفرس هنا، فلطالما كانت مسرحًا للعمليات العسكرية التوسعية العثمانية، مما خلق الصدام-بطبيعة الحال-بين آل عثمان وآل هابسبورج، فكان عرض خير الدين للعثمانيين بأن يكون لهم “ذراع عسكري” مواجه مباشرة لإسبانيا من جهة البحر بمثابة فرصة لفتح جبهة جديدة ضد عدوهم الرهيب… بمعنى أوضح: فإن حرب العثمانيين ضد الإسبان كانت مجرد مرحلة من صراعهم مع آل هابسبورج وليست “حربًا جهادية مقدسة” أطلقتها الاضطهادات الإسبانية للمسلمين..

والدليل أن مسلمي الأندلس-المعروفين بـ”الموريسيكيين”-لطالما بعثوا الاستغاثات والرسائل للباب العالي ولكنهم لم يكونوا يتلقون سوى التعزيات والوعود ورسائل التشجيع المعنوي، دون أي مجهود فعلي لنصرتهم، وأقصى ما كان  تحركات رمزية عثمانية ظاهرها “نصرة المسلمين” وحقيقتها أنها جزء من حرب أكبر من الأندلس نفسه!

فلم يكن إذاً أمام هؤلاء المضطهدين إلا أن يستغيثوا بأمراء البحار المسلمين-المنضوين اسميًا تحت العلم العثماني-فكان الموريسيكيين يتخابرون مع هؤلاء ليدلوهم على عورات الإسبان، وكان أمراء البحار المذكورة يستخدمون تلك المعلومات لضرب معاقل العدو قبل أن يداهم شمالي إفريقيا مستغلين ثورات الموريسكيين..

والعثمانيون، أين كانوا من كل هذا؟ الإجابة:  كانوا يكتفون بإرسال رسائل المباركة لتلك الجهود ويتلقون مقابلها الثناء والتعظيم دون أن يبذلوا جهدًا يُذكَر اللهم إلا إرسال بعض القادة بقوات رمزية للمشاركة في عمل يتلق العثمانيون الفضل عليه بينما قد حمل عبئه فعليًا خير الدين بارباروسا- ومن خلفوه في القيادة – وجنده من المجاهدين سواء من شماليّ إفريقيا أو من الأندلسيين الفارين الذين تطوعوا معهم!

جدير بالذكر كذلك أن الدولة العثمانية قد وجهت الأمر لأمراء البحار هؤلاء بالتعاون مع البحرية الفرنسية، لماذا؟ لأن آل أنجو في فرنسا كانوا أعداء آل هابسبورج الإسبان الذين كانوا يدعون الحق في العرش الفرنسي، فتحالف كل من الفرنسيين والعثمانيين ضد الإسبان.. أي أن الأمر لم يكن “حربًا صليبية-إسلامية” كما روج له دعاة العثمانيين، بل كانت حرب مصالح، وما الأمر العثماني لقادة البحر في شماليّ إفريقيا بمضايقة الإسبان إلا دعم لفرنسا الحليفة بطريقة “أعداء أعدائي هم أصدقائي”، ولكن كان لسان حال العثماني يقول “دعنا نضفي على ذلك ذريعة الجهاد لنصر المسلمين المستضعفين في الأندلس لننال فوق المكسب الحربي مكسبًا معنويًا”

الأمر إذن بالنسبة للعثمانيون لم يكن يعدو صفقة جديدة: فتح جبهة غربية لمضايقة أعداءهم لا تكلف الدولة العثمانية سوى بعض التواجد الرمزي بينما يقوم بالعمل الفعلي غيرهم، مما يخفف الضغط الهابسبورجي عن الجبهة الشرقية (أوروبا الشرقية)، والمزيد من البريق على الصورة الوهمية للعثماني أنه حامى حمى المسلمين في كل مكان!

جعجعة عثمانية بلا طحن

ثمة مثل يقول “الصَيت ولا الغِنَى”، معناه أن البعض يبحث عن “الصيت/الشهرة” وليس عن الإغناء حقًا عمّا يُنتظر منه.. هذا بالضبط ما ينطبق على موقف العثمانيين من الأندلس وقضيته..

فعندما تلقفت أبواق دعايتهم كرة “نصرة الأندلسيين” كان هذا بمثابة “رد فعل” لرسائل استغاثات الأندلسيين، وليس فعلًا من تلقاء أنفسهم.. ورغم أنهم-العثمانيون-كانوا آنذاك قوة لا يستهان بها إلا أنهم لم يدخلوا-شكليًا-في اللعبة إلا عندما وجدوا فيها “مصلحة” لهم، وحتى عندما دخلوها قاموا باستغلال جهود “محلية” لمجاهدين شبه مستقلين بينما اكتفى الباب العالي بدور “المشجع” وقام من وقت لآخر بإرسال قائد هنا وبضع مئات من الجند هناك على سبيل حفظ الوجه و”إثبات الحضور”.. ولكن تلك الجيوش الجرارة التي سيقت لغزو فارس والشام ومصر والعراق وشرق أوروبا لم يكن لها من حضور عندما وجد العثماني أن “الجدوى” من تسييرها لا تستحق-وفق رؤيته النفعية-عناء ذلك..

وإن كان الواقع التاريخي يقول إن “قانون المصلحة والمنفعة” هو الذي يحكم تحركات وسياسات الدول وليست المشاعر والعواطف المثالية، فإن الجرم العثماني هنا ليس في عدم الاعتناء كما يجب بقضية الأندلس، وإنما في استغلال مأساة الموريسكيين من ناحية كبوق دعائي لهم ، وفي الوثوب على إنجاز وكفاح المجاهدين في البحر وسرقة فضله ونسبه لأنفسهم بكل صفاقة من ناحية أخرى!

وإن كان قيام العثمانيين القدامى بذلك من باب الصفاقة، فإن ترديد أشياع العثمانيين الجدد لتلك الكذبة نفسها هو أمر لا يمكن وصفه بأقل من “الحماقة”!

Related posts

الاتحاد الأوروبي يدعو سوريا لوقف ‘تصعيد العنف’

admin

السيسي ومحمد بن زايد.. رسائل القوة من “برنيس”

admin

Leave a Comment